يقترب وقت غروب شمس ..
الساعة تشير إلى العاشرة إلا عدة دقائق ..
حول مائدة الطعام تنتظر موعد الإفطار
تيك تيك تيك تيك ..
صوت الساعة الرتيب هو من يعلمك بدخول الوقت
دون أن يطرق مسامعك الأذان الذي ألفته نفسك
ببسم الله تتمتم وتبدأ بتمرات ..
لكنها غير التمرات التي امتازت بها أرضك
واعتدت أن تأكلها في شهر الصيام
هدوء رتيب ..
تجول ببصرك بأسى ..
تجول ببصرك بأسى ..
فكل ما حولك يُعيد لذاكرتك الأجواء الرمضانية ..
المفعمة بالحيوية في بلدك
على عكس ما عليه حالك هنا
يعيد لك زخم من الذكريات الجميلة ..
على عكس ما عليه حالك هنا
يعيد لك زخم من الذكريات الجميلة ..
بداية منذ دخوله ..
وتبادل التبريكات والتهاني ابتهاجا به
مررورا بمائدة الأفطار ..
التي تشاركها مع أهلك وأحبابك .. في جو أسري حميم
تنتهي من ذلك ليبدأ استعدادك للذهاب إلى المسجد ..
وأداء صلاة التراويح..
بكل ما تزخر به هذه الأجواء من إيمانيات و روحانية..
صلة الرحم.. جزء لا يتجزء من حياتك في رمضان..
فلا بد لك من زيارة أقاربك..
خصوصا إذا كانت تجمعك بهم مدينة واحدة..
بينما هنا صمت يلفه صمت ..
تلتفت فلا ترى حولك من ينتظر بشغف دخول شهر رمضان ..
ولا من يفرح ببزوغ هلاله..
نهار طويل ..
وعبادة من بين ألوف الناس تمارسها لوحدك ..
مشاعر حزن ولابد أن تخالجك ..
تتمنى لو كنت هناك في بلدك بين أهلك ..
لست وحدك من يعاني ..
فعلى بعد بضعة أميال منك..
بيوت مسلمة لا تعرف أصحابها ..
ولكنك تعلم أن من يقطنها قد أخرج قسرا من بلده ..
جاء هنا إلى بلد لم يألفها قط .. باحثا عن مأوى ..
يقضي رمضانه الأول بعيدا عن أرضه ..
بعيدا كل البعد عن مرتع صباه ..
بعيدا عن أهله وجيرانه .. الذين ألفهم وألفوه ..
بعيدا عن كل الأجواء الرمضانية ..
التي وبلا شك بات يشتاق إليها بشدة ..
يتفطر قلبه حزنا وكمدا..
كلما قفزت إلى ذاكرته وهو على مائدة الإفطار ..
صورة أحد أفراد أسرته الذين فقدهم تحت همجية الحرب.
من جانب آخر ..
يطول النهار ..
يزداد جوعك .. ويشتد عطشك ..
تلتفت حولك فلا تجد إلا أناسا
غارقين متخبطين في ملذات الدنيا ..
وقد سمت روحك و ارتفعت عن كل ذلك ..
ارتفعت وهي تستحضر عظمة رب السماء
و ما أعده لها من نعيم مقيم ..
إن هي صبرت واحتسبت ..
بالرغم من وحدتك وغربتك ..
تستطيع أن تضبط جدول يومك ..
وتتقيد بمواعيد عبادتك ..
فلا زيارات طارئة ..
ولا أية اجتماعات عائلية مفاجئة ..
شهر كامل تقضيه في عزلة عن الناس ..
تتبتل فيه إلى الله كما يحلو لك ..
محظوظ جدا ..
لا تزعجك البرامج والمسابقات التلفزيونية ..
ولا تفسد صومك المسلسلات الرمضانية ..
بالرغم من كل الخطوب ..
تحمد الله على أن أحياك لتشهد رمضان ..
في الوقت الذي قضى كثير منهم نحبهم قبل بلوغه
تحمد الله أن جعلك تعيش تجربة رمضان .. فريدة .. مميزة
تستشعر كصائم الفرحة عند إفطارك .. بعد يوم أنهكك فيه التعب
تتذوق لذة الطعام كما لم يكن من قبل
فلا موائد طويلة ممتدة يفيض أغلبها
بل.. ما تشتهيه نفسك مما يسد جوعها .. ويطفي عطشها
تستشعر أن هداك الله إلى أعظم نعمة .. نعمة الإسلام
فيما جموع غفيرة حولك .. تائهين في سراديب الظلام
وهكذا هي كل شؤون الحياة..
لها جانبها المضيئ المشرق .. و جانبها الأسود الداكن
ونحن من نختار الزاوية التي نرغب بأن نعيشها.
ربي إنّا نسألك الرضى ..
يونيو ٢٠١٦